الأحد، 6 يوليو 2014

الحرب الباردة

الحرب الباردة

المظهر العسكري : يشمل سباق التسلح التقليدي النووي الاستراتيجي , ويشمل إنشاء أحلاف مثل حلف ناتو وحلف وارسو واحلاف اخرى اهمها حلف   S.E.A.T.O  اي حلف دول جنوب شرق اسيا وحلف بغداد المتعلق بدول الشرق الاوسط سنة 1955 الذي يخدم اهداف ومصالح دول الغرب .
المظهر الاقتصادي : دول الغرب لم تتعامل بشكل واسع اقتصاديا وتجاريا مع الكتلة الشرقية فالحركة التجارية بينها كانت محدودة جدا ودول الغرب انشأت سوقا اوروبية مشتركة سنة 1957 (معاهدة روما التي قضت بتوحيد اوروبا اقتصاديا ثم سياسيا ) كما ان الولايات المتحدة لم تستثمر اموالا لها في الاتحاد السوفيتي او في دول شرق اوروبا ومنعت انتقال التكنولوجيا الحديثة اليهم . نذكر كذلك ان دول شرق اوروبا اقامت سوقا مشتركا لها واقامت علاقات تجارية مع بعضها البعض بشكل منفرد عن المعسكر الغربي .
سباق الدول في غزو الفضاء الخارجي :
الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة تسابقتا في هذا المجال , في البداية نجح الاتحاد السوفيتي في اطلاق اول قمر اصطناعي الى الفضاء الخارجي سنة 1957  ثم اطلاق اول مركبة مأهولة بالكائنات الحية ثم اطلاق اول رائد فضاء الى الفضاء وهو يوري جاجارين. لكن الولايات المتحدة بسبب تفوقها الاقتصادي أخدت تخطو خطوات سريعة  في هذا المجال حتى نجحت بانزال اول انسان على سطح القمر(هو نيل ارمستروليج ) سنة 1970 . نذكر كذلك ان الدول اصبحت تطلق اقمار اصطناعية تدور حول الارض لخدمة اغراض مدنية وعسكرية وما الى ذلك . التفوق الامريكي برز في مجال الفضاء اختراعهم " المكوك الفضائي " وهو طائرة تطلق من الارض مع صاروخ تحلق في الجو ثم تعود الى الارض ويمكن استخدامها اكثر من مرة . لاحقا بدأت عملية بناء محطات دائمة في الفضاء مثل محطة " مير" السوفيتية و " اتلاتنيس " الامريكية .
خلال فترة الحرب الباردة الممتدة على 45 عام شهدت هذه الحرب اشتدادا وانفراجا من حين الى اخر. تقسم الحرب الباردة الى فترات :
1- من  1945-1953  اشتداد الحرب الباردة
2-   من  1953-1956  فتور في الحرب

3-   من  1956-1972  عودة التأزم

4- من  1972-1980   فترة الانفراج " الديتانت "

5- من  1980-1988   عودة التأزم من جديد

      6- من  1988-1990   عودة الانفراج وانتهاء الحرب الباردة بانحلال الاتحاد السوفيتي وبسقوط الشيوعية فيه .
خلال هذه المراحل حدثت ازمات عديدة اظهرت وجود حرب باردة بين المعسكرين الشرقي والغربي .
يمكن ان نقول انه في عهد الحرب الباردة ساد ما يسمى " السلام النووي " بين الدولتين العظيمتين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة كانت الدولتان حريصتين على عدم وصول الخلاف بينهما الى حد الحرب المباشرة حتى لا تستعمل الاسلحة النووية فيها , اسلحة يملك الطرفان منها ما يكفي لتدمير العالم عدة مرات وهذه الحرب لن يربح بها احد , الكل سيخسر. هذا ما جعل الطرفين تفادي التصادم المباشر( في ازمة كوبا سنة 1962  فكاد يحدث تصادم مباشر العالم أخد يحسب نهايته بالساعات والدقائق).
مظهر آخر: حرب المخابرات التي كانت بين وكالة المخابرات الامريكيةCIA  وبين KGB وكالة المخابرات السوفيتية.
كل طرف اراد جمع معلومات اقتصادية وسياسية وعسكرية وعلمية عن الطرف الآخر بواسطة وسائل مختلفة حتى لا يفاجأ وحتى يعرف كل طرف مواقع قوة من  الطرف الاخر ومواقع ضعفه .
من الوسائل المستعملة للتجسس كانت الاقمار الاصطناعية والطائرات خاصة طائرة V2 الامريكية التي طارت على ارتفاع 50 الف قدم فوق الاتحاد السوفيتي ولكن حافظ كل طرف على الطريقة التقليدية وهي زرع جواسيس كل واحد عند الآخر .
مظهر آخر- الحرب الاعلامية : الغرب يقول ان النظام الشيوعي نظام دكتاتوري شمولي تنعدم فيه الحريات وفيه كبث لحقوق الانسان وحرياته وقدرته وطاقته على الخلق والابداع لان الفرد لا يملك شيئا في هذا النظام واغلب الاشياء ملك الحكومة .
 يرد الشرق على الغرب في دعايته ان ديمقراطية الغرب هي ديمقراطية الاقلية الغنية المسيطرة على الصحف ومحطات الاذاعة والتلفاز ومسيطرة على مصادر الانتاج والثروة  في الدولة وهي تستغل هذه الثروة لعمل دعاية انتخابية فعالة كي تفوز في الانتخابات , النظام الرأسمالي هو نظام غير عادل قائم على الاستغلال والربح , فيه انقسام طبقي بين الاغنياء والفقراء طبقة تعيسة تشمل العمال والفلاحين وطبقة غنية برجوازية تملك المصانع والشركات التجارية وغيرها . النظام الرأسمالي هو حسب الدعاية الشيوعية  نظام يعبد المال وتكثر المظاهر السلبية  مثل المخدرات , الدعارة والاجرام المنظم وهذا بسبب انعدام العدالة الاجتماعية .
أهم الازمات في فترة الحرب الباردة هي :
مشروع مارشال: مارشال هو وزير خارجية الولايات المتحدة سنة 1947 , كان جنرالا في الحرب العالمية الثانية , على اسمه وضع مشروع يقضي بمساعد دول اوروبا الغربية اقتصاديا وعسكريا لكي تتخطى الازمة الاقتصادية الخانقة التي تواجهها من جراء خسائر الحرب العالمية الثانية هذه الازمة هذه زادت من قوة الاحزاب الشيوعية المتطرفة في هذه البلاد لذلك اقر مشروع مارشال الذي قضى :
بان تقدم امريكا فائض اغدية ومعونات ضخمة الى هذه الدول لكي تعيد بناء منشآتها المدمرة وبنيتها التحتية ومناجمها ولكي تعيد بناء اقتصادها وتحسين ظروف المعيشة داخلها .
الهدف الظاهري الاقتصادي من المشروع يسعى الى تحسين اقتصاد الدول الحليفة للولايات المتحدة في اوروبا من خلال ذلك تستعيد هذه الدول نشاطها الاقتصادي  وتتحسن مادياتها وهذه يجعل الولايات المتحدة تستفيد كثيرا لان نسبة كبيرة من تجارة الولايات المتحدة هي مع هذه الدول فاذا بقيت فقيرة وعاجزة لن تستطيع استيعاب البضائع من الولايات المتحدة  اما اذا تحسن اقتصادها فانها ستكون قادرة على استيعاب هذه البضائع .  لكن الهدف الباطني السياسي للمشروع : هو منع انتشار الشيوعية الى وسط وغرب اوروبا فالبطالة والعجز المالي والاقتصاد السيء ساعد على ازدياد قوة الاحزاب الشيوعية وازدياد نفوذها . الولايات المتحدة خشيت من قيام الاتحاد السوفيتي باستغلال هذا الوضع الاقتصادي السيء لاثبات تفوق الشيوعية وبانها النموذج الافضل الواجب اتباعه في مواجهة الازمات . الاتحاد السوفيتي ادرك هذا الهدف لذلك منع اي دولة من حلفائه في شرق اوروبا  تلقي مساعدات امريكية حسب مشروع مارشال  فأصبح المشروع مظهرا  بارزا من مظاهر الحرب .
ألستار الحديدي : هو اصطلاح استعمله تشيرتشيل اول مرة سنة 1946 وصف فيه سياسة الاتحاد السوفيتي في شرق اوروبا نحو الدول التي تحت نفوذه بمنعها من التعامل مع دول اوروبا والعالم في المجال السياسي والاقتصادي والثقافي وحرية التنقل والهجرة وكأنه اسدل على هذه الدول " ستارا من حديد"  واضعا حولها سياج يعزلها عن القارة الاوروبية حتى تبقى تحت نفوذه .
تشيرتشيل قال : ان هذه السياسة هي سياسة دكتاتورية شيوعية توسعية يجب وضع حد لها لانها تشكل خطرا على بقية دول اوروبا الديمقراطية .
على الولايات المتحدة بصفتها " زعيمة العالم الحر" الديمقراطي ان تقف ضد هذه السياسة حتى لو ادى الامر الى اللجوء لاستخدام السلاح النووي .
عندما قيل هذا الكلام سنة 1946 لم يكن يملك سلاحا نوويا غير الولايات المتحدة , الاتحاد السوفيتي بنى اول قنبلة نووية سنة 1949 .
حصار برلين : (1948-1949) حسب مؤتمر يالطة وبوتسدام تم تقسيم برلين الى اربعة احياء : ثلاثة منها مع دول الغرب وواحدة مع الشرق . كي نصل الى برلين الغربية يجب ان نعبر في اراضي المانيا الشرقية التابعة للأتحاد السوفيتي ( في ذلك الوقت كانت برلين الشرقية مع السوفييت والغربية مع الحلفاء :  فرنسا, امريكا , بريطانيا ). قام الأتحاد السوفيتي بقطع الطريق البري الموصل الى برلين الغربية  ردا على عدة خطوات قام بها الغرب لتوحيد المانيا الغربية منها :
1-   صك مارك الماني جديد للمناطق الثلاث التي تحت سلطة دول الغرب .
2-   ازالة الجمارك بين المناطق الثلاث .
3-   السعي لوضع دستور يوحد المناطق الثلاث في دولة واحدة .
هدف آخر للسوفيت كان اخراج دول الغرب من برلين الغربية نهائيا . الغرب وقف امام امتحان صعب اما ترك برلين الغربية وبهذا يحقق الاتحاد السوفيتي نصرا معنويا واستراتيجيا عليه او بعلن الحرب او الصمود في برلين المحاصرة بامداد سكان برلين الغربية بكل ما يحتاجونه من امور بواسطة الطائرات . اختار الغرب الخيار الثالث وهكذا بدأت طائرات دول الغرب بنقل ما يحتاجه السكان يوميا على مدى 9 شهور تقريبا سواء كان مواد غدائية او مواد خام للصناعة وغيرها . هذه العملية كانت باهضة التكاليف ومعقدة فنيا لا تستطيع تحملها دولة عادية غير الولايات المتحدة .
عندما اقتنع السوفيت ان الغرب مصمم على عدم التنازل عن برلين الغربية قام بفك الحصار عنها ولكن تقسيم المانيا اصبح حقيقة واقعة:المانيا الغربية وعاصمتها بون وتابعة للمعسكر الغربي . المانيا الشرقية وعاصمتها برلين الشرقية تابعة للمعسكر الشرقي . المانيا بقيت خارج الامم المتحدة . الاتحاد السوفيتي اعترف بالمانيا الغربية فيما بعد لكن الغرب لم يعترف بالمانيا الشرقية . المانيا الغربية طالبت بتوحيد القسمين الشرقي والغربي لكن الاتحاد السوفيتي رفض ذلك وبقيت قضية توحيد  المانيا من اكبر ما يثير الخلاف بين الشرق والغرب . في بداية الستينات تم بناء سور بين برلين الغربية وبرلين الشرقية وهو عبارة عن حائط مرتفع كبير له اسلاك شائكة وابراج مراقبة وكلاب حراسة وجنود المان شرقيين معهم اوامر باطلاق النار فورا على كل من يحاول عبور السور حتى اصبح هذا الحائط الشهير رمز من رموز الحرب الباردة .
المانيا الغربية تطورت اقتصاديا حتى اصبحت من الدول العظمى في العالم في هذا المجال بينما بقي اقتصاد المانيا الشرقية اقتصادا متخلفا .
الغرب احتفظ بجيش على اراضي المانيا الغربية بينما احتفظ السوفيت بجيش له على اراضي المانيا الشرقية وبقي هذا الوضع حتى انهيار الشيوعية في الاتحاد السوفيتي في عهد ميخائيل اجورباتشوف الذي اتبع سياسة الانفتاح ( الجلاسنوث ) نحو الغرب ولم يعد الاتحاد السوفيتي يفرض الهيمنة على المانيا الشرقية . هكذا بدأ سيل من الهجرة السكانية من المانيا الشرقية الى الغربية فسقط سور برلين وتم تدميره واعيد توحيد المانيا من جديد سنة 1990 وعادت برلين لتصبح عاصمة المانيا الموحدة .
 مشروع ترومان سنة  1947 : تولى هاري ترومان رئاسة الولايات المتحدة في نيسان سنة 1945 بعد موت روزفيلت مباشرة وبقي في السلطة حتى سنة 1952 . في عهده القيت القنبلة النووية على اليابان  وفي عهده بدأت الحرب الباردة والصراع على النفوذ بين الولايات المتحدة التي اخذت تلعب بعد الحرب العالمية الثانية " دور شرطي العالم الحر "  وبين الشيوعية السوفيتية . من ضمن مناطق الصراع بين المعسكرين كانت اليونان وتركيا حيث ارادت الولايات المتحدة منع تحويلهما الى دول شيوعية موالية للسوفيت . من هذا المنطلق وضع مشروع ترومان سنة 1947 هدفه الاساسي : تقديم المساعدات الاقتصادية والعسكرية لكل دولة تتعرض لخطر العدوان الشيوعي المباشر او غير المباشر. بناء على ذلك قامت امريكا بتقديم المساعدات للدول التي تسير في فلكها , حيث تم تطبيق المشروع عمليا في اليونان وتركيا حيث خصصت نحو 400 مليون دولار لمقاومة الشيوعية في الدولتين وبفضل هذه المساعدات بقي اليونان وتركيا يتبعان للمعسكر الغربي كما تم  قبولهما عضوين في حلف ناتو سنة 1950 ولا تزالان في هذا الحلف الى اليوم .
NATO حلف الشمال الاطلسي : نشأ هذا الحلف سنة 1949 عندما ازداد الخطر السوفيتي على دول غرب اوروبا . سنة 1948 قامت خمس دول اوروبية بعقد حلف عسكري فيما بينها هي : " فرنسا , بلجيكا , هولندا , لوكسبورج  وبريطانيا " وفي 1949/4/4 تم توقيع ميثاق حلف الشمال الاطلسي في نيويورك بزعامة الولايات المتحدة , انضمت دول اخرى الى الخمس المذكورة اعلاه وهي الولايات المتحدة, ايطاليا , كندا , النرويج , الدنمارك , اسبانيا , البرتغال  ولاحقا انضمت اليه المانيا وايسلندا واليونان وتركيا . كان مقر الحلف في البداية في باريس ثم  نقل مقر الحلف الى بروكسل بعد سنة 1965 . للحلف قيادة عسكرية تضم وزراء دفاع  ورؤساء اركان جيوش الدول المشتركة وقيادة سياسية تضم زعماء دول ووزاء خارجية هذه الدول .
الحلف هو حلف دفاعي يقضي بمحاربة اي دولة تعتدي على اي دولة من دول الحلف. قيادة الحلف العسكري دائما كانت بيد ضابط امريكي لان الولايات المتحدة تعتبر اقوى دولة فيه عسكريا واقتصاديا . الحلف يجري مناورات عسكرية برية , جوية وبحرية وللولايات المتحدة قواعد في بريطانيا والمانيا وتركيا وغيرها وكل ذلك من اجل مواجهة " الخطر السوفيتي الشيوعي " وحلفائه .
* اليوم تحاول دول شرق اوروبا التي كانت تحت الحكم السوفيتي الدخول الى هذا الحلف بعد انهيار الشيوعية سنة 1990 .
حلف وارسو :هو حلف عسكري اقامه الاتحاد السوفيتي ردا على اقامة حلف ناتو , مقره في وارسو عاصمة بولندا , تأسس سنة 1955 وقيادته العسكرية كانت بيد الاتحاد السوفيتي . هدف الحلف وتركيبه يشبه حلف الناتو والاتحاد السوفيتي احتفظ بقوات عسكرية داخل بولندا ودول شرق اوروبا . انحل الحلف بعد سقوط الشيوعية في الاتحاد السوفيتي سنة 1991 .
الحرب الكورية سنة ( 1950- 1953 ) : شبه جزيرة كوريا كانت في الاصل تابعة للصين احتلها الروس ثم احتلتها اليابان سنة 1915 . في الحرب العالمية الثانية نجح السوفيت والامريكيون في اقصاء اليابانيين عنها فرابطت قوات سوفيتية في الشمال وامريكية في الجنوب . ثم اتفق الطرفان على سحب قواتهما من كوريا . انقسمت كوريا الى قسمين: 
1- الجنوبية وعاصمتها سيوؤل  وتقع تحت النفوذ الامريكي .
2- الشمالية وعاصمتها بنوم بنه وقعت تحت النفوذ السوفيتي الشيوعي .
في سنة 1950 قامت قوات كورية شمالية بمهاجمة كوريا الجنوبية بدعم خفي من السوفيت والصين وذلك بهدف توحيد كوريا في دولة واحدة . الامريكيون اعتبروا ذلك عدوان على دولة حليفة لهم في منطقة استراتيجية مهمة لقرب كوريا الجنوبية من اليابان والصين والاتحاد السوفيتي , لهذا الولايات المتحدة اعتبرت ان كوريا الشمالية دولة معتدية وعرضت القضية على مجلس الامن الدولي وفي غياب المندوب السوفيتي اتخذ قرار بصد العدوان عن كوريا الجنوبية . امريكا اتخذت ذلك كتغطية كي تجند قوات هائلة تشمل قوات رمزية من دول حليفة . لكن القوة الاساسية في هذه الحرب كانت امريكية . هكذا بدأت القوات الامريكية بشن حرب شرسة للغاية ضد قوات كوريا الشمالية .  شاركت الصين بشكل غير رسمي في هذه الحرب الى جانب كوريا الشمالية بارسالها متطوعين , كما ارسل الاتحاد السوفيتي الطائرات والدبابات وكافة انواع الدعم العسكري لكوريا الشمالية دون ان ينضم رسميا الى الحرب .
لهذا تعتبر حرب كوريا مظهرا  بارزا  في الصراع  بين المعسكرين وقفت فيها استراليا , فرنسا وبريطانيا الى جانب الولايات المتحدة بينما وقفت الدول الاشتراكية مع كوريا الشمالية .
كادت هذه الحرب ان تؤدي الى صدام مباشر بين القوتين الاعظم عندما قام الجنرال ماك ارثر قائد القوات الامريكية بالتوغل داخل اراضي كوريا الشمالية واطلق تصريحات بضرورة غزو الصين نفسها من اجل اسقاط النظام الشيوعي فيها .
لو نفذ هذا لما كان باستطاعة الاتحاد السوفيتي ان يبقى محايدا بل سيضطر لادخال قواته في الحرب وهذا معناه مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة وخطر صدام نووي . لهذا ضغطت بريطانيا ودول اخرى على الرئيس الامريكي ايزنهاور بردع ماك ارثر ومنعه من العمل على تدهور الوضع العسكري اكثر.  وفعلا تمت اقالة ماك ارثر من القيادة وفي هذه الاثناء توفي ستالين زعيم الاتحاد السوفيتي حيث ابدى الزعماء الجدد رغبة في انهاء الازمة . وهكذا  تم عقد مؤتمر للصلح في جنيف في سويسرا سنة 1954 انتهى بتقسيم كوريا الى دولتين يفصل بينهما خط عرض 37 شمال خط الاستواء وانسحاب القوات الاجنبية من البلدين وظلت كوريا الشمالية شيوعية الى اليوم . في الفترة الاخيرة تم عقد لقاء بين زعيمي البلدين تم فيه التوصل الى اتفاق تجاري وتحسين العلاقات بين البلدين وحصول زيارات انسانية بين  الاقارب الذين لم يشاهدوا بعضهم منذ الحرب .
وضع كوريا الجنوبية الاقتصادي يعتبر وضع ممتاز حيث تملك قاعدة صناعية متطورة جدا بينما الشمال قوي جدا عسكريا لكنه متخلف جدا اقتصاديا حتى انه وصل العام الماضي الى درجة المجاعة .  
                        

الاباضية وعلاقتها بالخوارج

 الاباضية والخوارج


: مــؤســس الاباضية :
انهم ينسبون في مذهبهم حسب ما تذكر مصادرهم إلى جابر بن زيد الأزدي الذي يقدمونه على كل أحد ويروون عنه مذهبهم وهو من تلاميذ ابن عباس رضي الله عنه . انظر أجوبة ابن خلفون ص9 .
وقد نسبوا إلى عبد الله ابن أباض لشهرة موقفه مع الحكام واسمه عبد الله بن يحيى بن أباض المري من بني مرة بن عبيد وينسب إلى بني تميم .
وللأباضية صولة وجولة في باب الخروج على الإمام , فقد ثار يحيى بن عبد الله طالب الحق المتقدم باليمن وجمع حوله من الأتباع والأنصار ما شجعه على الخروج في وجه حكام بني أمية سنة128هـ , وهذا الشخص أصله من حضرموت تأثر بدعوة أبي حمزة الشاري فخرج على مروان بن محمد وأخذ حضرموت وصنعاء فسير إليه مروان بن محمد قائده عبد الملك بن محمد بن عطية السعدي فدارت معركة أسفرت عن قتل طالب الحق سنة130هـ .
وقد ذهب بعض العلماء من الأباضية إلى تحديد الوقت الذي استعملت فيه تسمية الأباضية وأن ذلك كان في القرن الثالث الهجري وقبلها كانوا يسمون أنفسهم ( جماعة المسلمين ) أو ( أهل الدعوة ) ( أهل الاستقامة ) كما يذكر ابن خلفون من علمائهم . أجوبة ابن خلفون ص9 .
وقد ذهب ابن حزم إلى القول بأن الأباضية لا يعرفون ابن أباض وأنه شخص مجهول وهذا خطأ منه فإن ابن أباض شخص يعرفه الإباضيون ولهذا رد عليه ( علي يحيى معمر الأباضي) وذكر أن الأباضية يعرفون ابن أباض معرفة تامة ولا يتبرؤن منه .
ثانياً : هل الإباضية من الخوارج؟؟
اتفقت كلمة علماء الفرق - الأشعري فمن بعده - على عد الأباضية فرقة من فرق الخوارج وليس المخالفون للأباضية فقط هم الذين اعتبروهم في عداد الخوارج , وإنما بعض علماء الأباضية المتقدمون أيضا , إذ لا يوجد في كلامهم ما يدل على كراهيتهم لعد الأباضية فرقة من الخوارج .
ونذكر فيما يلي بعض النصوص من كلام علماء الأباضية حول الخوارج وبيان مدحهم للخوارج .
قال مؤلف كتاب الأديان وهو أباضي : ( الباب الخامس والأربعين في ذكر فرق الخوارج , وهم الذين خرجوا على علي بن أبي طالب لما حكم ) ثم أخذ يذكر الخوارج في أكثر من موضع من هذا الكتاب على سبيل المدح قائلاً : هم أول من أنكر المنكر على من عمل به وأول من أبصر الفتنة وعابها على أهلها . لايخافون في الله لومة لائم قاتلوا أهل الفتنة حتى مضوا على الهدى ) الى أن يقول : ( وتتابعت الخوارج وافترقت الى ستة عشر فرقة ) . كتاب الأديان ص96.
ويقول نور الدين السالمي عن الخوارج : ( لما كثر بذل نفوسهم في رضى ربهم وكانوا يخرجون للجهاد طوائف سموا خوارج وهو جمع خارجة وهي الطائفة التي تخرج في سبيل الله , وكان اسم الخوارج في الزمان الاول مدحا لأنه جمع خارجة وهي الطائفة التي تخرج للغزو في سبيل الله ) . انظر الاباضية بين الفرق الاسلامية ص384 .
ويقول صاحب كتاب ( وفاء الضمانة ) الأباضي : ( وكان الصفرية - احدى فرق الخوارج - مع أهل الحق منا في النهروان ) . وفاء الضمانة بأداء الامانة للعيزابي3/22.

موقف الاباضية من عثمان وعلي رضي الله عنهما

من الأمور الغريبة جدا أن تجد ممن يدعي الإسلام ويؤمن بالله ورسوله من يقع في بغض الصحابة خصوصا من شهد له الرسول صلى الله عليه وسلم بالجنة وثبتت بذلك النصوص في حقه .
فعثمان رضي الله عنه صحابي جليل شهد له الرسول صلى الله عليه وسلم بالجنة , أما بالنسبة للخوارج فقد تبراوا منه ومن خلافته بل وحكموا عليه بالارتداد والعياذ بالله وحاشاه من ذلك . وفي كتاب كشف الغمة لمؤلف أباضي من السب والشتم لعثمان ما لا يوصف ولم يكتف بالسب والشتم وإنما اختلق روايات عن بعض الصحابة يسبون فيها عثمان بزعمه ويحكمون عليه بالكفر . كشف الغمة ص268 .
ولا شك ان هذا بهتان عظيم .
ويوجد كذلك كتاب في الأديان وكتاب آخر اسمه ( الدليل لأهل العقول ) للورجلاني فيهما أنواع من السباب والشتم لعثمان ومدح لمن قتلوه حيث سماهم ( فرقة أهل الاستقامة ) وهم في الحقيقة بغاة مارقون لااستقامة لهم إلا على ذلك .
وأما بالنسبة لموقفهم من علي رضي الله عنه :
فإنه يتضح موقفهم منه بما جاء في كتاب كشف الغمة تحت عنوان فصل من كتاب الكفاية قوله : فإن قال ماتقولون في علي بن أبي طالب , قلنا له أن علياً مع المسلمين في منزلة البراءة وذكر أسباباً - كلها كذب - توجب البراءة منه في زعم مؤلف هذا الكتاب منها حربه لأهل النهروان وهو تحامل يشهد بخارجيته المذمومة .
قال زعيم الأباضية عبدالله بن أباض نفسه في كتابه لعبد الملك عن معاوية ويزيد وعثمان كما يرويه صاحب كشف الغمة : ( فإنا نشهد الله وملائكته أنا براء منهم وأعداء لهم بأيدينا وألسنتنا وقلوبنا نعيش على ذلك ماعشنا ونموت عليه إذا متنا ونبعث عليه إذا بعثنا نحاسب بذلك عند الله ) اهـ . وكفى بهذا خروجا .
وصاحب كتاب كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة يشتم الحسن والحسين رضي الله عنهما وأوجب البراءة منهما بسبب ولايتهما لأبيهما على ظلمه وغشمه - كما يزعم - كذلك بسبب قتلهما عبدالرحمن بن ملجم وتسليمهما الإمامة لمعاوية .
ونفس الموقف الذي وقفه الخوارج عموماً والأباضية أيضاً من الصحابة السابقين وقفوه أيضاً من طلحة بن عبيدالله والزبير بن العوام وأوجب لهما الورجلاني النار . انظر كشف الغمة ص304 , الدليل لأهل العقول ص28 .
وقد بشرهما الرسول صلى الله عليه وسلم بالجنة وهؤلاء الخوارج يوجبون عليهما النار فسبحان الله ما أجرأ أهل البدع والزيغ على شتم خيار الناس بعد نبيهم الذين نصروا الاسلام بأنفسهم وأموالهم وأولادهم ومات الرسول صلى الله عليه وسلم وهو راضٍ عنهم , قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لاتسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه ) . أخرجه مسلم7/188 .
وأنه لما يحار فيه الشخص هذا الموقف من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم , فإذا كان اخص أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم غير مرضين عند هذه الطوائف من خوارج وشيعة فمن المرضي بعد ذلك؟

عقائد الأباضية

إن الأباضية كغيرهم من أهل البدع لهم عقائد خالفوا فيها منهج أهل السنة والجماعة ووافقوا فيها من على شاكلتهم من المبتدعة الضلال .
صفات الله : أما مايتعلق بصفات الله تعالى فإن الأباضية انقسموا فيها فريقين .
فريق نفى الصفات نفياً تاماً خوفاً من التشبيه بزعمهم ,فهم كالجهمية في ذلك . وفريق منهم يرجعون الصفات إلى الذات فقالوا أن الله عالم بذاته وقادر بذاته وسميع بذاته إلخ . فالصفات عندهم عين الذات قال أحمد بن النضر من علمائهم :
وهو السميع بلا أداة تســمع      إلا بــقدره قادر وحــداني
وهو البصير بغير عين ركبت      في الرأس بالأجفان واللحظان
جل المهيمن عن مقال مكـيف      أو أن ينـــال دراكه بمكان
انظر كتاب الدعائم ص34 . ويقول السالمي :
  أسماؤه وصـــــفات الذات      ليس بغير الذات بل عينها فافهم ولا تحلا
وهو على العرش والأشيا استوى      وإذا عدلت فهو اســتواء غير ما عقلا
وإنما استوى ملــك ومــقدرة      له على كلها استيلاء وقـــــد عدلا
كما يقال استوى سلطانهم فعـلى      على البلاد فحاز الـــــسهل والجبلا
غاية المراد ص7. و قال العيزابي منهم : ( الحمد لله الذي استوى على العرش أي ملك الخلق واستولى عليه وإلا لزم التحيز وصفات الخلق ) . الحجة في بيان المحجة ص6,18.
وهذا في الحقيقة نفي للصفات ولكنه نفي مغطى بحيله إرجاعها الى الذات وعدم مشابهتها لصفات الخلق وقد شنع الورجلاني منهم على الذين يثبتون الصفات بأنهم مشبهة كعباد الأوثان وأن مذهب أهل السنة هو - حسب زعمه - تأويل الصفات فاليد النعمة والقدرة والوجه الذات ومجيء الله مجيء أمره لفصل القضاء لأن إثبات الصفات لله هو عين التشبيه كما يزعم .انظر الدليل لأهل العقول ص32 .
ومعلوم لطلاب الحق أن هذا ليس هو مذهب السلف الذين يثبتون الصفات لله كما وصف نفسه في كتابه الكريم ووصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم من غير تشبيه ولا تعطيل ولا تحريف ولا تكييف ولا تمثيل .
قال ابن تيمية ( رحمه الله ) في بيان مذهب السلف : أنهم يصفون الله بما وصف به نفسه وما وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل .
وطريقة السلف في اثبات كل صفة لله أنهم يقولون فيها أنها معلومة المعنى مجهولة الكيف والسؤال عن الكيف بدعة وان الله : ليس كمثله شيء وهو السميع العليم .
فالأباضية وافقوا أهل البدع في باب الأسماء والصفات .
استواء الله وعلوه : وأما عقيدة الاباضية في استواء الله وعلوه , فإنهم يزعمون أن الله يستحيل أن يكون مختصاً بجهة ما بل هو في كل مكان وهذا قول بالحلول وقول الغلاة الجهمية ولهذا فقد فسر الإباضية معنى استواء الله على عرشه باستواء أمره وقدرته ولطفه فوق خلقه , وهذا تأويل المبتدعة من الجهمية وغيرهم .
رؤية الله : وذهبت الأباضية في باب رؤية الله تعالى إلى إنكار وقوعها لأن العقل - كما يزعمون - يحيل ذلك ويستبعده وانما هي عقولهم الفاسدة وأهواؤهم المضلة والعقل السليم لايخالف النص الصحيح ولكن العقل اذا انحرف عن منهج الله ضل وابتدع وسار بصاحبه الى الهاوية .
وليعلم أن مسألة رؤية الله يوم القيامة تعتبر عند السلف أمراً معلوماً من الدين بالضرورة لايماري فيها احد منهم بعد ثبوتها في كتاب الله تعالى وفي سنة نبيه صلى الله عليه وسلم وفي أقوال الصحابة رضي الله عنهم وفي اقوال علماء السلف قاطبة رحمهم الله تعالى ولم يخالف في ذلك الا المبتدعة من أمثال الأباضية وغيرهم .
كلام الله تعالى : ومن عقائد الأباضية في كلام الله تعالى القول بخلق القرآن بل حكم بعض علمائهم كابن جميع والورجلاني أن من لم يقل بخلق القرآن فليس منهم . انظر مقدمة التوحيد ص19 , والدليل لأهل العقول ص50 .
وقد عرف المسلمون أن القول بخلقه من أبطل الباطل إلا من بقي على القول بخلقه منهم وهم قلة شاذة بالنسبة لعامة المسلمين وموقف السلف واضح فيها وهو موقف إمام السنة أحمد بن حنبل رضي الله عنه وهو القول بأن القرآن كلام الله غير مخلوق تكلم الله به بطريقة لا نعلمها , وقد تواترت النصوص عن السلف رضي الله عنهم بأن القول بخلق القرآن كفر وضلال والعياذ بالله .
عذاب القبر : وقد أنكر بعض الاباضية عذاب القبر وأثبته بعضهم , قال النفوسي في متن النونية :
  و أما عذاب القبر ثبت جابر      و ضعفه بعض الأئمة بالوهن
انظر متن النونية ص27. ومعتقد السلف جميعاً هو القول بثبوت عذاب القبر ونعيمه كما صحت بذلك النصوص الكثيرة من الكتاب والسنة .
معتقدهم في الميزان : الميزان عند السلف والمسلمين والذي جاءت به النصوص أنه له كفتان حسيتان مشاهدتان توزن فيه أعمال العباد كما يوزن العامل نفسه , اما الاباضية فتنكر هذا الوصف ويثبتون وزن الله للنيات والأعمال بمعنى تمييزه بين الحسن منها والسيء وإن الله يفصل بين الناس في أمورهم ويقفون عند هذا الحد غير مثبتين ما جاءت به النصوص من وجود الموازين الحقيقية في يوم القيامة . انظر متن النونية للنفوسي ص25 .
الصراط : وكما أنكر الأباضية الميزان أنكروا كذلك الصراط وقالوا إنه ليس بجسر على ظهر جهنم. انظر غاية المراد ص9 , وذهب بعضهم وهم قلة الى اثبات الصراط .
والسلف على اعتقاد أن الصراط جسر جهنم وأن العباد يمرون عليه سرعة وبطئاً حسب أعمالهم ومنهم من تخطفه كلاليب النار فيهوى فيها .
الامام : والخوارج كافة ينظرون الى الامام نظرة حازمة هي الى الريبة منه أقرب ولهم شروط قاسية جداً قد لاتتوفر إلا في القليل النادر من الرجال وإذا صدر منه أي ذنب فإما أن يعتدل ويعلن توبته وإلا فالسيف جزاؤه العاجل .
التقية : وجوز الأباضية التقية كإخوانهم الرافضة , وقد أورد الربيع بن حبيب في مسنده روايات في الحث على التقية تحت عنوان : ( باب ماجاء في التقية ) . فلهم نصيب من مشابهة الروافض والله المستعان .
عقا.


الاثنين، 30 يونيو 2014

مبدأ نيكسون



مبدأ نيكسون

قبل أن يطرح نيكسون مبدأه كانت هناك بواعث عديدة لطرحه، ناشئة من تورط السياسة الأميركية في فيتنام. والنتائج السلبية التي ترتبت على هذه السياسة. فلقد توهمت الإدارة الأميركية أن إرغام فيتنام الشمالية على الاستسلام وهزيمة الشيوعيين في هذه الحرب يتم من خلال الزج الضخم للقوات الأميركية والتي تنحصر مهمتها في استنزاف الشيوعيين للدرجة التي لا يمكنهم معها الاستمرار في الحرب.
غير أن هذه الإستراتيجية التي سارت عليها الإدارة الأميركية كانت خاطئة، إذ غاب عنها أن أسلوب الاستنزاف الذي اعتمدته لم يكن مجديا مع الطريقة التي يعتمدها الشيوعيون والمتمثلة بحرب العصابات. فلم تنجح الإستراتيجية الأميركية في تحقيق أغراضها رغم الإمكانات الهائلة التي كانت تتطلبها والتي تزايدت بشكل ملحوظ في فترة حكم جونسون عما كانت عليه في حكم كنيدي.
وعندما جاء نيكسون إلى الحكم، كان الموقف في فيتنام يزداد سوءا بالنسبة للحكومة الأميركية، فخسارتها السياسية أخطر من خسائرها المادية، إذ تعرض الموقف الأميركي في فيتنام إلى انتقادات شديدة من قبل العديد من الأوساط السياسية الدولية كما ان الرأي العام الأميركي كان يشجب بعنف سياسة اميركا هذه التي لم تحقق أي مكسب من وراء تورطها في فيتنام غير الخسائر الجسيمة التي ترتبت عليه.
لقد اقتنعت إدارة نيكسون ان الاستمرار في هذا الطريق غير مجدٍ بالمرة. لذلك عمدت إلى حل الأزمة في فيتنام عن طريق المفاوضات للتخلص من ورطة كبيرة ارتكبتها السياسة الأميركية، ثم تحولت إلى عقدة ضخمة ألقت بثقلها على البيت الأبيض.
ان التجربة الفيتنامية وضعت أمام إدارة نيكسون الحقائق التالية:
(1) ـ لا يمكن للولايات المتحدة ان تزج نفسها بشكل مباشر في كل الصراعات والأزمات الدولية حتى لو كانت تمس مصالحها. لأن التدخل العسكري المباشر قد يعرضها إلى خسارة سياسة وان ربحت عسكريا.
(2) ـ هزيمة الولايات المتحدة في فيتنام يجب أن لا تنسحب على وضعها العام كقوة عظمى. أي ان أثبات قوة الولايات المتحدة وفاعليتها في حسم الأوضاع الدولية المتأزمة يجب أن تبرهن عليه من خلال مواقفها القادمة وهذا يتطلب أن تبذل الولايات المتحدة كل جهودها من أجل ان لا تهزم مرتين متتاليتين. 
(3) ـ أن انسحاب اميركا العسكري من فيتنام يجب ان لا يفهمه حلفاؤها على انه تخلّ عنهم في الظروف الحرجة.
بل انه في مثل هذه الظروف سيتحتم على الحكومة الاميركية ان تزيد من دعمها لهم، من أجل أن تمنع الهزيمة، وبالتالي تحافظ على هيبتها أمام العالم.
(4) ـ او وجود قوات عسكرية أميركية ضخمة في الدول الحليفة والتابعة للولايات المتحدة يؤثر سلبا على طبيعة المعركة التي تخوضها اميركا،(اذ أنها ستفقد وإلى درجة كبيرة دوافع تلك الدول في خوض المعركة بكفاءة بعد أن ترى ان الولايات المتحدة تحارب نيابة عنها،    علاوة على ذلك فان هذا الاسلوب قد يثير نقمة جماهيرية ضد حكومات تلك الدول. وبالتالي تزداد حدة الازمات التي تواجهها كما ان هذا الاسلوب قد يثير حفائظ نفوس القوى الشيوعية فتعمد إلى التدخل في تلك الأزمات كما حدث في فيتنام.
(7) ـ بامكان الولايات المتحدة ان تستعيض عن تدخلها العسكري المباشر ـ في الحالات التي لا تستوجب مثل هذه الخطوة ـ بزيادة القوى العسكرية للدول التابعة لها،   وزيادة دعمها لها في الحالات الضرورية التي تتعرض فيها إلى خطر.
هذه الحقائق  شكلت الارضية التي انطلق منها مبدأ نيكسون والذي حدد الاسس الجديدة للسياسة الاميركية في التعامل مع الأحداث الدولية.

كنيدي والسوفيت



 كنيدي والسوفيت


كان على كنيدي وهو يمارس دوره كرئيس جديد للولايات المتحدة ان يتعامل بحذر مع العالم الشرقي، لاسيما وانه ورث تركة ضخمة من المشاكل من سلفه آيزنهاور، وواجه قسما آخر في بداية فترة رئاسته تمثلت كلها في ثلاث أزمات خطيرة.. فيتنام، برلين وكوبا.
في فيتنام كان مترددا والأزمة تزداد تعقيدا، فأميركا لم تحسم الموقف العسكري فيها ولا السياسي وليست هناك بوادر لانتهائها، ويبدو أن كنيدي لم يكن له تصور كاف عن الأزمة، فقد ظن ان انهاء الحرب لصالحه يكمن في المزيد من القوات. ووفق هذا التصور زاد حجم القوات الأميركية المتدخلة في فيتنام فأزدادت المشكلة تعقيدا، ولتصبح فيتنام بعد ذلك كابوس البيت الأبيض.
وفي برلين، كانت المفاوضات على اشدها بينه وبين السوفيت. فالطرفان يريدان حل الأزمة، لكن كل حسب تصوره الخاص، وهي الحالة التي لا يمكن ان تتحقق، فما يريده أحدهما يرفضه الآخر. وإذا كان خروشوف متعجلا أكثر في انهائها، فإن كنيدي كان أقل منه عجالة. لقد أراد أن يحلها في أجواء هادئة بعيداً عن المشاكل، ودون المرور في نقاط تزيد حدة التوتر مع السوفيت.
أمام هذه البرود من جانب كنيدي، حل خروشوف أزمة برلين على طريقته الخاصة، فلقد بني الجدار الفاصل بين الألمانيتين ليعزل الخاضعة له عن تلك الخاضعة لأميركا. وبالرغم من كون حل خروشوف سريعا ومفاجئا، إلا انه وضع حدا لمفاوضات طويلة بينه وبين كندي، كانت تنتهي دائماً جواء متشنجة يرجع على أثرها الروسي حاد المزاج، ويعود الأميركي متشائما من عواقبها.
وإذا كان تصرف كنيدي مع الأزمتين (فيتنام وبرلين) منسجما مع الخط العام للسياسة الأميركية إلى حد ما ولم يخرج عن هذا الخط إلا ببضع خطوات في الأزمة الثانية، فإن تعامله مع كوبا بدأ بالسير تماما في هذا الخط، وانتهى بالابتعاد تماما عنه.. في البداية استخدم القوة العسكرية.. وفي النهاية رفضها.
في البداية جهز حملة لاحتلال كوبا من جيش من الساخطين على سلطة كاسترو. تلك الحملة المشهورة بخليخ الخنازير والتي انتهت بالفشل.
ثم كانت هناك بداية عسكرية أخرى، لعلها أهم قضية تميزت بها فترة رئاسة كنيدي، بل هي أهم مرحلة بين الاستكبارين الشرقي والغربي، إذ وصلت فيها العلاقة إلى أقرب مسافة من نقطة الانفجار المدمرة ثم عادت الأمور فهدأت، لكنه الهدوء الذي أفرز صيغا جديدة من التعامل بينهما ففي 22 تشرين الأول 1962 اكتشفت المصادر التجسسية الأميركية ان هناك قواعد للصواريخ النووية المتوسطة المدى يقوم بانشائها الاتحاد السوفيتي. وهنا أحس كنيدي بخطورة الخطوة السوفيتية على أمن بلاده. لقد اخترق السوفيت استراتيجيه من الخلف. وهو التهديد الذي لم تكن تفكر به أميركا. فطيلة السنوات التي تلت الحرب العالمية الثانية كان اهتمام واشنطن منصبا على تقوية دفاعات اوروبا الغربية، باعتبارها الجبهة التي تقف بتماس مع خطوط الروس.
لقد كان رد كنيدي على هذا التهديد يتسم بالعنف حيث فرض حصارا على كل المعدات الهجومية التي تشحن إلى كوبا. كما فرض رقابة مشددة على كل البواخر المتجهة نحوها ثم انه جعل المسألة في غاية الخطورة عندما اعتبر أن هذه الصواريخ بمثابة إداة الهجوم السوفيتي على اميركا وحليفاتها الغربيات وهو مالا يمكن الوقوف ازاءه بدون حراك.
ومن الطبيعي ان إجراء كهذا يعني الاستعداد للحرب، ويعني بتعبير أكثر وضوحا أن العملاقين قد وقفا وجها لوجه، والاحتمال الأكثر رجاحة من وقوفها هو الانتحار في حرب نووية.
لكن خروشوف الذي استنفر قواته أيضاً، أراد أن يهدئ واشنطن، ولعل خوفه كان الباعث على ذلك. فقدم جملة اقتراحات إلى كنيدي بعد أربعة أيام من اشتعال الأزمة، يعده فيها أن الصواريخ السوفيتية سوف تسحب من كوبا فيما لو تعهد بعدم غزوها. أمام هذا العرض المغري وقف كنيدي مترددا بعض الوقت.. هل يجيب بالإيجاب على اقتراح خروشوف؟ أم يبقى متعنتا كما يريده مستشاروه؟
كنيدي اختار الرد الموجب على الصمت المتعنت، لقد أبدى استعداده في حل الأزمة من خلال هذا الأسلوب، فتعهد بعدم غزو كوبا.. وسحبت موسكو صواريخها. وبذلك انتهت أخطر أزمة في تأريخ العلاقة بين القوتين الاستكباريتين، كادت أن تعلن الحرب العالمية الأخيرة.
تعامل كنيدي مع أزمة الصواريخ بعقلانية ـ كما وصفه الروس ـ فلقد كان حريصا على ان لا يصعد الموقف العسكري لأنه أدرك خطورة مثل هذه الخطوة، لما قد يترتب عليها من مواجهة محققة بين واشنطن وموسكو. غير أن عقلانية كنيدي لم تكن لتنسجم مع زعماء الكونغرس الذين عاب قسم منهم على رئيسهم عدم لجوئه إلى العنف بشكل كامل، ووصفه الآخرون بأنه كان خائفاً لأنه اتخذ موقفا في غاية الضعف عندما حاصر كوبا فقط. اما هو فقد أدرك مسبقا أن رد الأميركيين سيكون بهذه الحدة، ومع ذلك تصرف حسب قناعته متوخيا عدم إثارة السوفيت أو حتى إشعارهم ان عليهم أن يزيدوا من قوة ردود فعلهم على اعتبار ان امنهم القومي يلزمهم بذلك.
ويبدو ان معارضي كنيدي كانوا نصف مصيبين ـ كما كان هو نصف مخطئ ـ فخروشوف كان خوفه من الحرب النووية يفوق خوف كنيدي منها. ولعل أبرز دليل على ذلك عرض سابق قدمه خروشوف لكنيدي مفاده أن موسكو مستعدة لسحب صواريخها من كوبا فيما لو سحبت واشنطن صواريخها من تركيا. ثم خفف هذا العرض إلى مجرد وعد أميركي بعدم غزو كوبا. لأنه عرف أن واشنطن لا يمكن أن تستجيب بسهولة لهذا الطلب رغم كونه منطقيا في حسابات اللعبة الدولية. ومع ذلك أغمض خروشوف عينه عن هذه الحقيقة المنطقية تحت تأثير خوفه من شبح الحرب النووية. ولقد كان عرضه في غاية البساطة إضافة إلى انه يحمل طابع التراجع أمام القوة الأميركية. ومن الطبيعي أن تفك أمريكا حصارها عن كوبا، وأن تمتنع عن غزوها. فكنيدي أساساً كان يرفض فكرة غزوها بعد فشله القديم وخوفه الجديد، إذن من الطبيعي ان تستجيب واشنطن لاقتراح موسكو، لأن الإجراءات التي اتخذتها انما هي نتيجة نصب الصواريخ السوفيتية في كوبا، التي لو لاها لما كان هناك حصاراً وتهديد، المهم ان خروشوف قدم عرضا او بالأحرى تنازلا بدون مقابل.
والمهم ايضا، ان رجال البيت الابيض كانوا مصيبين بعض الشيء، لأنهم شخصوا الخوف الروسي الكبير، وارادوا اجراءات اميركية ضخمة على اساس ذلك الخوف. بالتأيد كان هؤلاء المغامرون يطمحون إلى مكاسب جديدة لو هدد رئيسهم باسلوب اكثر عنفا، وربما تتحقق طموحاتهم وتتحقق المكاسب بدل أن تنتهي الأزمة بمكسب واحد فقط، هو سحب الصواريخ من كوبا.
صحيح ان الأوضاع عادت إلى الحالة التي كانت عليها قبل نصب الصواريخ على صعيد الوضع الاستراتيجي، لكن هذه العودة أثبتت عدة حقائق كانت غائبة في الفترات السابقة.
الولايات المتحدة وأوروبا الغربية لا تتعرض من الجهة الشرقية فقط للتهديد النووي السوفيتي، بل ان هناك مواقع أخرى يمكن أن يهدد منها السوفيت وربما بخطورة أكبر، لأن أميركا والغرب ستصبح بين فكي الكماشة النووية.
التوسع السوفيتي يكون خطرا فيما لو سقطت دولة بأيدي الشيوعية، تتمتع بموقع إستراتيجي بالنسبة للمعسكر الغربي ولأميركا على وجه التحديد، إذ ستفقد الولايات المتحدة نتيجة هذا التحول الكثير من مستلزماتها الأمنية، وتصبح حالتها كحالة أوروبا الغربية، ساحة دمار في أية مواجهة نووية مقبلة.
السوفيت لا يفكرون بطريقة مكشوفة وتعهداتهم غير صادقة، ولهم بعد مستقبلي في التفكير التوسعي للوصول إلى مركز متقدم في الميزان الدولي.
أمن الولايات المتحدة أهم بكثير من أمن حلفائها، فلو هدد الأمن الأميركي، لربما أقدمت واشنطن عل خطوة لا تؤمن عقباها، خصوصا إذا انتصر المغامرون على المتحفظين. لكن هل تقدم واشنطن على نفس الخطوة إذا تعرض الأمن الاوروبي للخطر؟
وإذا كانت الاوضاع قد عادت إلى حالتها الأولى، على الصعيد الاستراتيجي فانها لم تعد على الصعيد السياسي لافي داخل أميركا ولا حتى في علاقاتها الخارجية. فقد أثبتت الأزمة ان لعبة خطرة قد تحدث فيما لو فقد الرئيس توازنه، واستجاب لالحاح رجاله، وأثبتت أيضا أن الخصم عندما يكون هو المبادر، فإن مخاوفه من الشبح النووي تفوق مخاوف الطرف الآخر، ولذا فانه يكون مستعدا للتفاوض والتنازل من أجل مكسب ضئيل أو حتى بدون مكسب، وأن بامكان الطرف الآخر أن يكون هادئا وشرسا في نفس الوقت. هادئا يتحرك دون ردود فعل ويضبط أعصابه للنهاية فيما لو أراد المزيد من المكاسب، وشرسا يهدد بتصعيد الموقف، ولكن في الحدود التي يقيس بها بدقة ان المهاجم خائف، ومخاوفه تزداد مع كل خطوة جديدة، ومع ذلك عندما يصبح الخوف ذا نتائج عكسية، فإنه يدفع صاحبه إلى الانتحار.
كذلك اثبتت الأزمة ان الحل السريع له نتائج جيدة، ففي ساعات الخوف تسهل كلمة التفاوض والقبول، وتستبعد كلمات الرفض والتعنت.
والحقيقة الأخيرة المستخلصة من أزمة الصواريخ، ان الطريق نحو ما يسمى بالوفاق سالك فليمض فيه المستكبران.
لنعد ثانية إلى بداية الموضوع.. لقد تعامل كنيدي في فترة حكمه مع ثلاث أزمات (فيتنام، برلين وكوبا) في الأولى زاد تورط اميركا عسكريا وسياسيا. وفي الثانية تردد فجاء الحل من خصومه وليس منه. وفي الثالثة وهي الأهم تحفظ فكانت النتائج العودة إلى ما قبل الأزمة.
فإذا رضي شيوخ واشنطن على تصرفه الأول، فانهم لم يرضوا كما لم يسخطوا من تصرفه الثاني، لكنهم غضبوا من التصرف الأخير، ثم زاد غيضهم بعد أزمة كوبا. فقد بدا واضحا الأسلوب الذي يفكر به كنيدي، حيث اعتبر ان الإقدام على طوات عسكرية ضخمة، عمل غير عقلاني. كما اعتبر أن هناك طرقا يمكن سلوكها للوصول إلى صيغة مرضية مع لاسوفيت، وبذلك يكون قد خالف بعض مرتكزات الاتجاه العام للسياسة الأميركية، والذي يحاول ان يحقق مكاسب خارجية من خلال الأزمات لامن خلال حلها وهو رقم قياسي (6 أيام) أن تحل فيه أزمة خطيرة كأزمة الصواريخ.
ومع أن كنيدي لا يخرج عن خط السياسة الأميركية، من حيث الهدف في بسط النفوذ الاستكباري لها على الشعوب المستضعفة، والمراهنة بأمنها ومستقبلها من أجل هدف واشنطن، إلا انه اختلف معه من حيث بعض الأساليب لا كلّها. فهو في الوقت الذي رفض العمل العنيف مع السوفيت، كان قد أرهق الميزانية الأميركية ببرامجه التسليحية، حيث ازدادت قوة أمريكا خمس مرات. وهو حين لا يريد إشعار الروس بضرورة زيادة قواتهم، يجعلهم بالنتيجة وعلى أثر اسلوبه التسلحي،  جاهدين من أجل اللحاق بالقوة النووية الأميركية. وهو عندما ينادي بالحرية والسلام الدوليين، يربط الحرية والسلام بقوة أميركا العسكرية فلو تراجعت هذه القوة لاختفت الحرية ولغاب السلام.
والخلاصة، ان كنيدي حسب قناعة رجال البيت الأبيض ضيع عليهم فرصا كثيرة، وهناك فرص من المؤكد أن تضيع لو عمل بتصوراته الخاصة. وهم لن يغفروا له تورطه في موقف، وتردد ازاء آخر، وفشله في ثالث ـ حسب تقديرهم لما يمكن ان يتحقق ـ كما أنهم لن يسامحوا رئيسهم على آرائه التي أعلنها أمام الملأ وأبرزها، أن الروس لا يمكن أن يكونوا الاعداء الدائميين للأميركان.

سياسة جون كيندي



سياسة كندي

تسلم كنيدي مفاتيح البيت الأبيض في مرحلة كانت علاقة الاستكبار ين الشرقي والغربي تعيش نهايات الحرب الباردة، وبدايات مرحلة جديدة لم تحدد معالمها بشكل واضح بعد، وكان عليه أن يتصرف مع هذه التحولات بما يضمن بقاء الموقع ألاستكباري المنفرد للولايات المتحدة في العالم، وأن يسعى لمنع منافسة القوة الاستكبارية الأخرى للسيطرة السياسية العالمية.
وعلى ضوء هذا الواقع، سارت سياسة كنيدي في خطين عريضين متميزين:
الأول ـ صفته الرئيسية القوة العسكرية، وهو امتداد الاستراتيجيات لمواجهة المعسكر الشيوعي، حيث أطلق كنيدي ما عرف بإستراتيجية القوة المضادة المقيدة.
والثاني ـ حمل الصفة الدبلوماسية بالدرجة الرئيسة مع المعسكر الشيوعي أيضا، لكنها الدبلوماسية التي تلوح باستخدام القوة وتتكلم بمنطق العنف، وأن كانت هناك مواقف هادئه تغيب فيها الأساليب العسكرية إلى حد كبير.
وبين هذين الخطين هناك مساحة واسعة اشتملت على علاقة اميركا مع المعسكر الشيوعي فيما يخص العديد من المواقف الدولية.
إذن فسياسة كنيدي توزعت على العلاقة مع المعسكر الشيوعي بشكل عام وهوما تمثل باستراتيجية القوة المضادة المقيدة. وعلى العلاقة مع الاتحاد السوفيتي بشكل خاص وهو ما تمثل بأزمات فيتنام وبرلين وكوبا.


استراتيجية القوة المضادة المقيدة
تفيد هذه الاستراتيجية بأن الولايات المتحدة ستوجه ضربة انتقامية للاتحاد السوفيتيت او الصين، في حالة قيام أي منهما بمحاولة توسع، تتناسب مع حجم الهجوم والاهداف المترتبة عليه. وتكون هذه الضربة بمثابة الحسم النهائي بعد فشل الردع والعمليات الحربية المحدودة التي تليه.
وعلى هذا الأساس فإن العنصر الأول في هذه الاستراتيجية هو الردع الذي قد يكون تقليديا او نوويا اعتماد على حجم الهجوم الشيوعي. أما العنصر ان الآخر أن اللذان يتوقف تنفيذهما على الردع فهما الحرب التقليدية والحرب النووية، حيث تحدد الإدارة الأميركية خوض احدهما في حالة فشل الردع التقليدي او النووي.
ولكي تحقق هذه الاستراتيجية أغراضها، سعت الولايات المتحدة إلى زيادة كفاءة كل من السلاحين التقليدي والنووي.
ففيما يتعلق بالسلاح التقليدي فإن الإدارة الأميركية شرعت بتقوية قواتها المسلحة وكذلك قوات حلفائها، حتى تكون قادرة على خوض حرب تقليدية ضد الاتحاد السوفيتي أو أية دولة شيوعية أخرى، وحسمها لصالحها. وإذا ما عجزت هذه القوات عن تحقيق أهدافها فأنها ستدعمها بالأسلحة النووية الصغيرة. وهذا لا يعني أن الولايات المتحدة تخاطر في تصعيد الحرب. بل انها حسب هذه الاستراتيجية تحاول أن تبذل كل الجهود من أجل تحديدها ومنع تحولها إلى حرب شاملة، وأن كانت تضع في الاعتبار احتمال تطور الحرب التقليدية او المحدودة إلى حرب نووية شاملة. وبالرغم من كون الحرب التقليدية تشكل عنصرا أساسيا في هذه الإستراتيجية لكل من الولايات المتحدة وحلفائها، إلا أن أهمية الأحلاف العسكرية لم تلق اهتماما جديا من قبل الإدارة الأميركية ما عدا حلف شمال الأطلسي.
أما فيما يتعلق بالسلاح النووي فإن إستراتيجية القوة المضادة المقيدة اشترطت زيادة كفاءته وركزت على زيادة فاعلية الصواريخ النووية حتى يتم تحقيق التفوق النووي المطلق للولايات المتحدة. ويكون بإمكانها توجيه ضربة مفاجئة للاتحاد السوفيتي في حالة قيام حرب نووية، من شأنها تدمير أسلحته الإستراتيجية، وشل قدرته في السيطرة على زمام الموقف
كما ان هذه الإستراتيجية تسعى إلى تقليل الآثار فيما لو نشبت حرب نووية وذلك عن طريق تهديد السوفيت بأنها سترد على هجومهم بهجوم معاكس تستهدف به أهدافهم العسكرية ومنشآتهم الاقتصادية المهمة. ووفق إستراتيجية القوة المضادة المقيدة، فإن السلاح النووي تحددت له مهمة جديدة واسلوب جديد في الاستخدام حيث اصبحت مهمته مواجهة الضربة الأولى التي يشنها الاتحاد السوفيتي بالشكل الذي لا يفقده فاعليته ثم تكون له القابلية على توجبه ضربة انتقامية تشل السوفيت وإمكانياتهم في الاستمرار في الحرب. أي أن هذه الإستراتيجية ونتيجة الأسلوب الجديد الذي حددته للسلاح النووي، تعتمد على الردع بصورة غير مباشرة حيث ان قابلية الولايات المتحدة على توجيه الضربة الثانية تشكل رادعا يمنع السوفيت من تنفيذ ضربتهم الأولى.
ان استراتيجية القوة المضادة المقيدة بالرغم من أنها رسمت اسلوبا جديدا للسلاح النووي، إلا أن اعتمادها الحقيقي كان على السلاح التقليدي وليس النووي، لأن الفترة التي تبنت فيها الولايات المتحدة هذه الاستراتيجية شهدت تزايدا خطيرا في الأسلحة النووية لكل من العملاقين، وهذا ما يجعل احتمال نشوب حرب شاملة بينهما مستبعدا، لأنها تعني انتحارا متبادلا للطرفين وهذا ما يشكل ضمانا لعدم نشوب حرب من هذا القبيل.
ونتيجة للمواقع الجديد فإن دور السلاح النووي في هذه الاستراتيجية اقتصر على جانب الردع. فيما تحمل السلاح التقليدي مهمة تنفيذها وتحقيق اغراضها.
لقد كانت هذه الاستراتيجية خاتمة التجارب التي مارستها الولايات المتحدة ضد النفوذ السوفيتي والشيوعي بشكل عام في المجال الاستراتيجية. ولم تتعرض لمحك عملي يكشف مدى صوابها أو خطئها، إذ تعرضت إلى العديد من التغييرات وادخلت عليها اساليب جديدة اضافة إلى تعديل اهدافها بعد أن شهدت الساحة الدولية تطورات مهمة خصوصا على مستوى العلاقة بين القوتين الاستكباريتين

حلف بغداد



حلف بغداد

تأسس هذا الحلف في شباط 1955 على هيئة اتفاق عسكري في بداية أمره بين العراق وتركيا، ثم انضمت إليه كل من بريطانيا والباكستان وإيران في نفس العام بالإضافة إلى الولايات المتحدة التي لم تكن عضويتها كاملة في سنواته الأولى.
وكان الدافع الأكبر وراء إنشاء هذا الحلف الذي جاء بتخطيط من الولايات المتحدة، هو الموقع الاستراتيجي المتميز لمنطقة الحلف، إذ أن هذا الموقع يمتلك العديد من العناصر المهمة:
تعتبر دول الحلف منطقة نفوذ مهمة للقوى الاستكبارية، حيث تتركز فيها مصالحها الاقتصادية بشكل كبير بفضل المخزون الهائل من البترول في أراضيها.
أن هذه المنطقة متاخمة للحدود الجنوبية للاتحاد السوفيتي، وعلى هذا الأساس فإنها تمثل البوابة التي يمكن من خلالها التوغل إلى منطقة الشرق الإسلامي بأسرها.
وهذا ما يحتم على الدول الغربية وفي مقدمتها الولايات المتحدة ان تسعى لغلقها بوجه التوسع السوفيتي، وبذلك سوف تستكمل الولايات المتحدة حلقات حصارها الاستراتيجي للمعسكر الشيوعي، بعد أن حاصرته من قبل بحلف شمال الأطلسي غربا، وبحلف جنوب شرق آسيا شرقا.
ان منطقة الشرق الإسلامي بدأت تشهد أوضاعا سياسية قلقة، وهذا ما يستدعي من الدوائر الغربية تقوية الأنظمة التابعة من خلال تحالف عسكري يربطها بها أكثر ويوفر الحماية الكافية للأنظمة الحاكمة.
هذه الأسباب دفعت الولايات المتحدة إلى انشاء حلف بغداد لتصل من ورائه إلى اهدافها السياسية. ولقد أخذ هذا الحلف الكثير من اهتمام الرئيس الأميركي أيزنهاور اذ أنه كان يخطط لأن يضم الحلف إلى عضويته دولا جديدة من الشرق الإسلامي، وقد كانت له ثلاث محاولات في هذا الخصوص فشلت كلها على حد سواء.
الأولى كانت مع الأردن، وقد ابدي الملك حسين رغبته في الانضمام إلى حلف بغداد، إلا أن الاوضع الداخلية في الأردن حالت دون أن يحقق حسين رغبته. حيث شهدت الأردن معارضة قوية تشجب حلف بغداد للدرجة التي أخافت النظام فتراجع الملك حسين عن قراره وفشلت بذلك المحاولة الأولى.
والثانية كانت مع مصر، غير أن مصر كانت ترفض فكرة الانضمام إلى أحلاف عسكرية، انطلاقا من حساباتها السياسية الخاصة، وقد رافق هذه الفترة تأميم مصر قناة السويس، فشنت على اثر هذه الخطوة بريطانيا وفرنسا والكيان الصهيوني هجوما على مصر في عام 1956، وبذلك أصبح مستحيلا انضمامها إلى الحلف.
وهناك عوامل أخرى كانت تحول دون انضمام مصر إلى حلف بغداد، أهمها الاختلاف الكبير في الاتجاهات السياسية بين دول الحلف وخصوصا بين الحكومة الملكية في العراق وبينها، هذا الاختلاف الذي كان يصل إلى درجة العداء الصريح.
والثالثة: كانت مع سوريا والتي كانت نظرتها تجاه الأحلاف مشابهة لنظرة مصر، وقد تعرضت سوريا إلى تهديد عسكري من تركيا عام 1957. مما شنج علاقاتها ليس مع تركيا فحسب، بل مع الولايات المتحدة أيضا باعتبارها تقف وراء تحرشات تركيا العسكرية.
يضاف إلى ذلك ان التوتر بين سوريا والعراق كان أكثر حدة مما هو عليه بين مصر والعراق، حيث انه وصل إلى حياكة المؤامرات، كما أعلنت بذلك الحكومة السورية عن اكتشافها مؤامرة تستهدف إسقاط السلطة، دبرتها حكومة نوري السعيد بالتنسيق مع السفارة الأميركية في دمشق. وقد أزمت هذه الحادثة علاقة سوريا مع العراق إلى درجة كبيرة. وبذلك سقطت كل احتمالات ضم سوريا إلى حلف بغداد.
أن هذا الأسلوب الأميركي لم يأخذ بنظر الاعتبار تصور الدول العربية لسياسية المنطقة وظروفها، حيث كانت هذه الدول ترى ان الخطر الذي يهددها لا يكمن في الاتحاد السوفيتي، فمواقفه تجاهها لا تدل على أنه يروم التدخل في المنطقة عسكريا، بل انها كانت على العكس من ذلك. فلقد اعرب الاتحاد السوفيتي عن استعداده لدعم هذه الدول عسكريا واقتصاديا. كما انه وقف إلى جانبها سياسيا معززا مواقفها في بعض الأحداث السياسية، كما فعل مع مصر حين هدد بالتدخل واستخدام سلاحه النووي إذا لم يتوقف العدوان الثلاثي على مصر. وكما وقف إلى جانب سوريا عندما تعرضت للتهديد العسكري التركي. وهذا جزء من أساليب الاستكبار في مد أذرعه.
أن دول المنطقة لم تكن تدرك ان السوفيت يحاولون بسط سيطرتهم على المنطقة من خلال الطرق الدبلوماسية التي يتبعونها. فقد كان تصور تلك الدول أن الخطر له صورة واحدة فقط ملامحها العامة التدخل العسكري ولقد ساهمت واشنطن إلى حد كبير في رسم هذه الصورة أمام أعينها، وحيث ان التدخل لم يحدث فلا خطر أذن من السوفيت او من الشيوعية، في حين كانت الأحزاب الشيوعية تمتد داخلها.
المهم ان أنظمة المنطقة لم تكن مقتنعة ان الخطر قادم من الاتحاد السوفيتي بل كانت تتصور أن الخطر الذي يهددها يتمثل بالكيان الصهيوني، وأن كان هذا التصور لم يُبنى على قناعة حقيقية، ولم تكن له تطبيقات جادة نظرا لتبعية تلك الأنظمة للقوى الاستكبارية، إلا أنه كان مفروضاً عليها لاعتبارات الساحة التي كانت متوجهة نحو قضية فلسطين.
هذه الحقائق لم تدخلها الإدارة الأميركية ضمن حساباتها السياسية في المنطقة، وتجاوزتها عندما أرادت إدخال أنظمة المنطقة في حلف بغداد. فكانت النتيجة أن اقتصر الحلف على عضوية دول الست فقط.
وحتى هذا الدول لم تستمر طويلا في الحلف. فبعد أربع سنوات انسحب العراق من عضويته على اثر انقلاب 14 تموز 1958. كما انسحبت إيران بعد انتصار الثورة الإسلامية وسقوط نظام الشاه عام 1979. ثم انسحبت بعد ذلك الباكستان وتلتها تركيا، ولم يبق إلاّ بريطانيا والولايات المتحدة، فاعتبر الحلف بحكم المنحل.